مازن سيف
12 مايو 2026
لماذا يُعدّ السياق المحلي عاملًا حاسمًا في تصميم المشاريع في سياقات حساسة للصراع مثل اليمن؟
في اليمن، كثير من المشاريع لا تتعثر لأن فكرتها ضعيفة، بل لأنها تُصمَّم على افتراض وجود درجة من التجانس لا وجود لها في الواقع. قد يبدو المشروع قويًا في المقترح وقد تكون منطقه الفني واضحًا، وأهدافه منطقية، وصياغته منسجمة مع لغة المانحين ومتطلبات التمويل. لكن ما إن تبدأ مرحلة التنفيذ حتى يبدأ الواقع في كشف هشاشة بعض الافتراضات التي بُني عليها ذلك التصميم. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: للأسف اليمن ليس بيئة تشغيلية عادية., ومتجانسة فما يصلح في محافظة قد لا يصلح في أخرى. وما يبدو ممكنًا على مستوى المحافظة قد يصبح غير واقعي على مستوى المديرية. وحتى داخل المديرية الواحدة، قد تختلف شروط التنفيذ بين مجتمع وآخر بصورة تؤثر مباشرة على جدوى النشاط، وقبول المورد، وسرعة الإنجاز، وجودة النتائج.
ومن خلال سنوات من العمل في اليمن عبر قطاعات ومناطق مختلفة، أصبحت هذه الحقيقة من أكثر الدروس رسوخًا: السياق المحلي ليس فقرة شكلية في المقترح، بل هو أحد المحددات الرئيسية لنجاح المشروع أو تعثره.
فهو ليس مجرد عنصر وصفي يُضاف في قسم الخلفية، ولا معطى يمكن استخلاصه بالكامل من التقارير الثانوية. ذلك أن الواقع في اليمن يتحرك أسرع من كثير من الوثائق المنشورة، وما يبدو صحيحًا على الورق قد لا يصمد طويلًا أمام التغيرات الفعلية في الميدان.
ما المقصود فعلًا بالسياق المحلي؟
1- المستوى الوطني: ويشمل الاتجاهات السياسية والإنسانية والاقتصادية العامة. هذا المستوى مهم لتكوين الصورة الاستراتيجية الكبرى، لكنه لا يكفي وحده لاتخاذ قرارات تشغيلية دقيقة.
2- مستوى المحافظة: وهنا تبدأ الفروق الجوهرية في الظهور. فالمحافظات في اليمن لا تختلف فقط جغرافيًا، بل تختلف أيضًا في طبيعة المؤسسات، وديناميكيات الصراع، وهياكل السوق، وإمكانية الوصول، وشبكات النفوذ، وأنماط التفاعل المجتمعي. فالفرق بين حضرموت وعدن، على سبيل المثال، ليس فرقًا في الموقع، بل فرق في البيئة التشغيلية بأكملها.
3- مستوى المديرية: حتى داخل المحافظة الواحدة، قد تتباين المديريات بصورة حادة من حيث القيادة المحلية، والقدرة المؤسسية، والبنية التحتية، ومستوى الخدمات، وسهولة الحركة، ونمط العلاقات المجتمعية.
4- مستوى القرية أو المجتمع المحلي: وهذا هو المستوى الذي تُختبر فيه افتراضات المشروع فعليًا. فهنا يتحدد ما إذا كانت الأولويات الفعلية للمجتمع منسجمة مع التدخل، وما إذا كان الشريك أو المورد مقبولًا، وما إذا كانت الحساسيات المحلية ستؤثر على التنفيذ، وما إذا كان النشاط يمكن أن يسير وفق الجدول الزمني المفترض.
التصميم الجيد في اليمن لا يمكن أن يكتفي بالقراءة السياق على المستوى الوطني فقط، بل يجب أن يتعامل بجدية مع المستويات الأربعة كلها.
أين يبدأ الخلل في تصميم المشاريع؟
من أكثر نقاط الضعف التي تتكرر في تصميم المشاريع في اليمن الاعتماد على تحليل سياقي عام - وطني أو إقليمي - لتصميم تدخلات تستهدف مواقع متعددة أو قطاعات متعددة.
قد يكون هذا التحليل العام مفيدًا كنقطة انطلاق. لكنه لا يكفي عندما تكون بيئات التنفيذ متباينة بهذا الشكل. ففي اليمن، لا يبقى السياق ثابتًا. تتغير أولويات المجتمعات. وتختلف المؤسسات المحلية في قدرتها ومشروعيتها. وتتبدل شروط الوصول. وتتفاوت الأسواق بين موقع وآخر. كما أن أثر الصراع ليس متماثلًا بين جميع المناطق.
وهذا ليس بالضرورة فشلًا في النوايا، بل هو غالبًا فشل في درجة التحديد والدقة. فالتعميم المفرط يعطي انطباعًا زائفًا بالوضوح في مرحلة التصميم، ثم يتحول لاحقًا إلى تعقيد متراكم في مرحلة التنفيذ.
وعندما لا تنعكس هذه الفروقات في تصميم المشتريات، فإن المخاطر لا تختفي - بل تؤجَّل فقط إلى مرحلة التنفيذ، حيث تصبح أكثر كلفة وأصعب معالجة.
تصميم المشتريات ليس إجراءً إداريًا فقط، بل هو في جوهره شكل من أشكال تحليل السياق.
لماذا يهم هذا للمانحين والمنفذين ومقدمي الخدمات؟
هذه المسألة لا تتعلق فقط بجودة التحليل، بل بجودة النتائج نفسها . فالمشروع لا يصبح قويًا لأنه مكتوب بلغة جيدة أو لأنه يضم إطارًا منطقيًا متماسكًا. إنما يصبح قويًا عندما تصمد افتراضاته أمام الواقع الفعلي. وفي اليمن، لا يمكن تحقيق ذلك من دون الانتباه الجاد إلى التباين المحلي، والواقعية التشغيلية، وإمكانية التنفيذ على مستوى كل محافظة ومديرية ومجتمع مستهدف .
والأهم من ذلك أن المسألة ليست برنامجية فقط، بل مالية أيضًا. فعندما يُعمَّم السياق أكثر من اللازم، تُقلَّل المخاطر، وتضعف مصداقية نموذج التنفيذ، وتستند النتائج المتوقعة إلى افتراضات هشة. وفي كثير من الحالات، يتفوق تدخل أصغر لكنه مصمم بعناية وفق السياق المحلي على تدخل أكبر بُني على افتراضات لا يمكن تعميمها على جميع المواقع المستهدفة.
ما الذي يبدو عليه التصميم الأقوى؟
قد يبدو هذا النهج أبطأ في البداية لكنه، في البيئات الهشة والمتغيرة، أقل كلفة بكثير من التأخير اللاحق، وإعادة التصميم، وتصحيح المسار أثناء التنفيذ.
في العمل التنموي، هناك ضغط مستمر نحو التوسع السريع، وإظهار انتشار جغرافي واسع، وتقديم تدخلات تبدو كبيرة وطموحة. وهذا أمر مفهوم. لكن من الدروس المتكررة في اليمن أن التوسع غير المؤسس على فهم سياقي ليس بالضرورة مؤشرًا على القوة. وقد لاحظت جهات محلية تمتلك خبرة قطاعية حقيقية وثقة مجتمعية، ثم تُبعد نفسها عن مجالات تخصصها و تتميز بها فقط لتتماشى مع فرص التمويل المتاحة أو لتغطي نطاقًا جغرافيًا أوسع وفي بعض الحالات، كان هذا التحول نفسه هو نقطة الضعف الأساسية.
فالجهة التي تكون فعالة في مجال خبرتها قد تصبح أقل فعالية عندما تتمدد إلى قطاعات أو مواقع لا تمتلك فيها الخبرة أو البنية التشغيلية المناسبة.
المقترح الأقوى ليس دائمًا هو الأكثر اتساعًا، بل قد يكون هو الأكثر قابلية للتصديق من الناحية التشغيلية بعد طبعا تلبية لاحتياجات المجتمع المستهدف. فالتدخل الأصغر، إذا كان محددًا جيدًا، ومبنيًا على فهم دقيق للسياق، ومصممًا وفق شروط تنفيذ واقعية، سيتفوق كثيرًا على تدخل أكبر بُني على افتراضات يصعب الحفاظ عليها عبر جميع المواقع. لأن التصميم الجيد لا يتعلق بجعل المشروع يبدو طموحا بل بجعله يتحقق و يحقق الأثر المنشود.
فالقراءة الوطنية ليست هي الواقع المحلي. وسردية المحافظة ليست هي واقع المديرية. وواقع المديرية ليس بالضرورة هو ما يعيشه المجتمع على الأرض. وفي وضع معقد وبيئة عمل متغيرة مثل اليمن، لا يبدأ التخطيط الجيد من الافتراضات، بل من الاعتراف بهذه الحقيقة.
مازن سيف هو الرئيس التنفيذي لشركة أطياف للاستشارات، ويتمتع بخبرة واسعة لأكثر من 14 سنة خبرة مع منظمات دولية في تصميم المشاريع، وتقييم الجدوى، وإدارة البرامج في مختلف محافظات اليمن.