الباحث/ مازن احمد سيف
11 نوفمبر 2023
يُظهر مسحٌ شمل 46 منظمة غير حكومية محلية أن القدرة على التخطيط تفوق في أثرها التمويل والتواصل والمتابعة، حتى وإن أُخذ كل عنصر منها على حدة.
لماذا يُعدّ هذا الموضوع مهماً؟
لا تزال اليمن تشهد إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ففي فترة إجراء هذه الدراسة، كان هناك 20.7 مليون شخص _ أي نحو 66% من السكان - بحاجة إلى المساعدات الإنسانية (مكتب أوتشا OCHA، 2021). وتقع المنظمات غير الحكومية المحلية في قلب جهود الاستجابة، ورغم ذلك، لا توجد سوى أبحاث قليلة جداً تبحث في مدى كفاءة تنفيذ هذه المنظمات للمشاريع أو أسباب تفوق بعضها على البعض الآخر. تلخص هذه المقالة دراسة هدفت إلى الإجابة عن هذا السؤال في محافظة تعز.
شهد المجتمع المدني في اليمن توسعاً متكرراً كلما ضعفت سلطة الدولة. إذ ازدهرت منظمات المجتمع المدني خلال ثورة 1962، وتكرر ذلك بعد إعادة تحقيق الوحدة عام 1994، وكان ذلك جزئياً لتعويض انهيار مؤسسات الدولة. وبحلول عام 2015، بلغ عدد المنظمات المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أكثر من 13,000 منظمة، بزيادة قدرها 24% مقارنة بمستويات ما بعد عام 2011 (Alwazir, 2015). ويرى الناقدون أن هذا النمو جعل القطاع مسيراً برغبات المانحين ومسؤولاً أمام الجهات المُموّلة أكثر من مسؤوليته أمام المجتمعات التي يخدمها (Alwazir, 2015). ومنذ تصاعد النزاع، تحولت العمليات الإنسانية إلى جهد منسّق واسع النطاق؛ ففي عام 2018، تولى 254 شريكاً دولياً ومحلياً تنسيق المساعدات عبر محافظات اليمن الـ 22 (United Nations in Yemen, n.d.).
يعمل هذا القطاع تحت قيود شديدة؛ ففي عام 2015، علقت الوزارة الدعم الحكومي لـ 85% من المنظمات المسجلة، والتي كان العديد منها يعاني أساساً من ضعف في القدرات المؤسسية والإدارية (Al-Duqaimi, 2016). كما وُصِفت أساليب القيادة والثقافات التنظيمية بأنها غير ملائمة لبيئة مضطربة (Sarakbi, 2019)، في حين تُطبّق ممارسات المساءلة في المنظمات غير الحكومية المحلية بدرجة متوسطة فقط، مع وجود تقارير تشير إلى حالات احتيال وسوء استخدام لأموال الإغاثة (Ahmed, 2020). ولم تتلقَّ نداءات الاستغاثة الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة لليمن سوى جزء من التمويلات المطلوبة (Sana’a Center for Strategic Studies, 2018).
وتشير الأدلة المقارنة من البلدان النامية الأخرى إلى وجود مشكلة هيكلية؛ حيث تهيمن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية على التمويل، وغالباً ما تنظر المنظمات غير الحكومية المحلية إلى نفسها كجهات منفذة لا كشركاء، في حين تتردد الجهات المانحة في تمويلها مباشرة بسبب المخاوف المتعلقة بالقدرات المؤسسية وقضايا الفساد (Batti, 2017; Chowdhury et al., 2020; Ismail, 2019).
ما توقعته الأدبيات السابقة: يدعم التواصل النجاحَ عبر جميع مراحل دورة المشروع (Wamalwa & James, 2018; Zulch, 2014)، ويرتبط التخطيط بشكل وثيق ومستمر بالأداء (Naeem et al., 2018; Nyanje & Wanyoike, 2016). أما الأدلة المتعلقة بالتمويل فكانت متضاربة؛ إذ يضر نقص التمويل بالأداء (Anunda, 2016)، لكن صرف التمويل في الوقت المحدد لم يكن مؤشراً على الإنجاز في الموعد المحدد وفقاً لدراسة أُجريت في كينيا (Gaturu & Muturi, 2014). وترتبط المتابعة والتقييم المنتظمان بالالتزام الزمني والأداء (Gaturu & Muturi, 2014; Kitur, 2017)، رغم أن المنظمات المحلية تجد صعوبة غالباً في توفير الموارد لها (Clough, 2018). غير أن الأدلة الخاصة باليمن في هذه الجوانب تعد شحيحة، وهي الفجوة التي تسعى هذه الدراسة لسدها.
استهدفت الدراسة مدراء المنظمات غير الحكومية المحلية في تعز خلال الفترة بين مارس وأبريل 2020، بالتزامن مع جائحة كوفيد-19، ولذا وزع الاستبيان عبر البريد الإلكتروني وتطبيق واتساب. ومن بين 66 منظمة محلية نشطة، تم التواصل مع 56 منظمة، واستُعيدت إجابات مكتملة من 46 منظمة، بنسبة استجابة بلغت 82%. قيست أربعة عوامل بخمسة عناصر لكل عامل على مقياس خماسي: التواصل، والتخطيط، والتمويل، والمتابعة والضبط. واقتُبست العناصر من دراسة أُجريت على المنظمات غير الحكومية الكينية (Nyanje & Wanyoike, 2016). وتناول المتغير التابع (التنفيذ الفعال للمشروع) الجودة، والتسليم، واستدامة الفوائد، والالتزام بالوقت والميزانية. وأظهرت الأداة كاملة (25 عنصراً) ثباتاً عالياً (معامل ألفا كرونباخ = 0.905). واستخدم التحليل الإحصاء الوصفي، ومعامل ارتباط بيرسون، والاندحار (الارتداد) المتعدد، مع اختبار الظروف القانونية والاجتماعية-الثقافية كمتغيرات معدِّلة.
عمل جميع المشاركين في منظمات غير حكومية محلية؛ وكان نحو 70% منهم من الرجال، و63% شغلوا مناصب في الإدارة العليا. وكانت مجالات العمل الأكثر شيوعاً هي الإغاثة والعمل الإنساني (67%)، والتعليم (63%)، وحقوق الإنسان (63%)، والصحة (59%). وتعد هذه المنظمات حديثة النشأة: إذ إن 44% منها عملت لمدة خمس سنوات أو أقل. وكان ربعها يدير أكثر من 20 مشروعاً في السنة، في حين كان لدى 37% منها ما بين موظف واحد إلى خمسة موظفين مخصصين للمشاريع فقط.
ملاحظة: العدد (N) = 46. الدرجات هي متوسطات الحساب على مقياس خماسي.
قيم المدراء مستوى تسليمهم للمشاريع بدرجة مرتفعة جداً؛ حيث حصلت الجودة على متوسط 4.70، وحصل كل من التسليم في الوقت المحدد والالتزام بالميزانية على 4.37. وقال 72% إنهم لم يواجهوا أي صعوبة في إنجاز المشاريع في الوقت المحدد وضمن الموارد المتاحة، بينما واجهت ذلك نسبة 28% (13 منظمة).
وكانت نقاط الضعف المحددة واضحة؛ إذ كانت التغذية الراجعة من المستفيدين والموظفين والمانحين وإليهم العنصرَ الأدنى درجة في محور التواصل (المتوسط = 3.52). وكانت سهولة توفير الكوادر للمشاريع أدنى عناصر التخطيط (المتوسط = 3.65). وفيما يتعلق بالتمويل، اتفق المشاركون على أن التمويل حدّ من نطاق مشاريعهم (المتوسط = 4.02)، في حين كان تقييم الجهات المانحة للعائد على الاستثمار الأدنى في محور التمويل (المتوسط = 3.63).
وكانت التقييمات المتعلقة بالأهمية أكثر قوة؛ فعند طَلب تقييم أهمية كل عامل، جاء التمويل في المرتبة الأولى (المتوسط = 4.89)، تلته المتابعة والضبط (4.78)، ثم التخطيط (4.74)، والتواصل (4.50). وعند إجبارهم على اختيار عامل حاسم واحد، اختار 43.5% التخطيط، و34.8% التمويل، مقابل 13.0% للتواصل و8.7% للمتابعة والضبط.
وحول بيئة العمل، أشار 82.6% إلى الموافقات القانونية على اتفاقيات المشاريع كأبرز عامل قانوني، متقدماً على الصحة والسلامة (56.5%) وتكاؤف الفرص (50.0%). ومن بين العوامل الاجتماعية والثقافية، تصدر النمو السكاني (56.5%) ومستوى الأمية/القرائية في المجتمع (52.2%).
ويُعدّ تفكيك التباين النتيجة الأكثر فائدة؛ إذ لم تفسر العوامل الأربعة مجتمعة وبشكل منفرد سوى 14.2% فقط من التباين، حيث استحوذ التخطيط وحده على 10.7%. بينما تداخلت نسبة 40.7% المتبقية بين العوامل. تتغير هذه العوامل معاً؛ فالمشروع المخطط له جيداً يميل أيضاً إلى أن يكون ممولاً ومُتابعاً ومُتَواصَلاً بشأنه بشكل جيد. التمويل مهم بذاته (r = .57)، لكن أثره يتداخل بشكل كبير مع التخطيط (الارتباط بينهما r = .59).
الظروف القانونية والاجتماعية-الثقافية: عند إضافة العوامل القانونية إلى النموذج، أظهر كل من التواصل والتخطيط آثاراً دالة إحصائياً (p = .038 و p < .001)، بينما لم تظهر المتابعة والتمويل ذلك. وكانت معاملات التفاعل دالة لكلا المتغيرين، ولكن اتجاهاتها كانت متعاكسة (القانونية × التواصل، B = 0.113، p = .040؛ القانونية × التخطيط، B = -0.164، p = .005). ويبدو أن الاعتبارات القانونية عززت دور التواصل وضَيَّقت الفجوة والإيجابية التي يمنحها التخطيط. ويتوافق ذلك مع بيئة تحكم فيها الموافقات والتفاوض والعلاقات مع السلطات مصيرَ استمرار المشاريع من عدمه (Bahadory et al., 2019). ونظراً لحجم العينة، ينبغي التعامل مع هذه النتيجة كاستدلال استكشافي وليس كنتيجة قاطعة. ولم تظهر الظروف الاجتماعية والثقافية أي آثار معدِّلة دالة، رغم أن التخطيط كان قارباً من مستوى الدلالة (p = .070).
ماذا تعني هذه النتائج؟
تقتصر هذه الدراسة على مسح شمل 46 مشاركاً في محافظة واحدة، وكان معظمهم من كبار المدراء الذين يقيمون منظماتهم بأنفسهم. وتجمعت درجات النتائج بالقرب من الحد الأعلى للمقياس، مما ترك تباينًا ضئيلاً لتفسيره، كما تعود البيانات إلى عام 2020. ومن شأن إجراء دراسات أوسع تشمل عدة محافظات وتعتمد بيانات أداء مستقلة أن تختبر مدى صحة هذه الأنماط.
أعدّ هذه الدراسة الباحث مازن أحمد سيف واستكملها ضمن متطلبات الحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة المفتوحة بماليزيا (Open University Malaysia) في عام 2021. أُجريت الدراسة الميدانية في محافظة تعز بالتعاون مع مديري المنظمات غير الحكومية وبدعم من وزارة التخطيط والتعاون الدولي. وقام الباحث بنشر النتائج الرئيسة لهذه الدراسة في ورقة علمية بعنوان: "Factors Affecting the Effective Implementation of Local NGO Projects in Yemen"، المجلة الدولية للعلوم والهندسة وتطوير البحوث (IJSDR)، المجلد 8، العدد 5، مايو 2023.