إذا كنتَ قد أمضيتَ خمس عشرة سنة من حياتك تعمل في المجال الإغاثي تُنقذ الآخرين من الفقر والجوع والتهجير، فمَن المسؤول عن إنقاذك حين تنهار المنظومة التي عملتَ فيها؟
هذا السؤال ليس للخطابة، بل هو السؤال الذي يسأله آلاف العاملين في القطاع الإنساني باليمن كل صباح اليوم في صمت ثقيل لا يسمعه أحد.
تخيّل أنك أمضيتَ سنواتك الأجمل في خدمة مجتمعك وخدمة أشد الناس فقرًا وهشاشةً، في بلد لا يهدأ فيه حال ووسط متلازمة الصراعات غير المنتهية. كنتَ تعلّم الأسر كيف تُعيد بناء مصدر دخلها، وتوزّع مساعدات الطوارئ في المناطق الأشد خطرًا، وتبني شبكة علاقات من الكد اليومي والوقت والثقة. ثم تفيق صباح اليوم لتجد أن مؤسستك علّقت عملها، وراتبك توقّف، وخبرتك لا مكان يستوعبها.
هذا ليس سيناريو افتراضيّاً، بل هذا واقع يعيشه آلاف العاملين في القطاع الإنساني باليمن اليوم.
- 16 مليار دولار أُنفقت على اليمن منذ عام 2015، وهي أكبر استجابة إنسانية في العالم لعقد كامل، لكن التمويل اليوم يتآكل بوتيرة لم نشهدها منذ عام 2016.
انهيار منظومة التمويل
على مدى السنوات الخمس الماضية، كانت الولايات المتحدة المانح الأكبر لليمن بفارق كبير؛ بنحو 620 مليون دولار ضختها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عام 2024، منها 580 مليوناً للمساعدات الإنسانية مباشرةً.
ثم جاء قرار تجميد المساعدات الأمريكية في مطلع عام 2025 لتوقيف المساعدات، وبحلول مارس 2025، كان الواقع أن عشرات المراكز الإيوائية أُغلقت أبوابها، وعمليات برنامج الأغذية العالمي (WFP) والوكالات الأممية الكبرى بدأت تتقلص أو تتوقف.
واصلت وكالات الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والسعودية، وألمانيا الدعم، لكن الفجوة التي خلّفها الانسحاب الأمريكي أكبر من أن تُسدّها التمويلات البديلة وحدها، في ظل تصاعد الاحتياجات في الوقت ذاته.
التمويل البديل - لماذا لا يملأ الفجوة؟
قد يُقال: ألا تستمر دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في دعم اليمن؟
منذ عام 2013، ضخّت السعودية ما مجموعه 9 مليارات دولار في الاستجابة الإنسانية عالميًا، وكان اليمن في قلب أولوياتها. ففي عام 2019، تم تخصيص 89% من إجمالي مساعداتها الإنسانية لليمن. ومابين عامي 2019 و2023م خفضت السعودية والإمارات والكويت تمويلاتها بما يقارب 90% و98% و99% على التوالي. ثم جاء الانعكاس المفاجئ: في عام 2024، ضخّت السعودية 817 مليون دولار لليمن، مما جعلها ثاني أضخم مانح في ذلك العام.
نعم، الدعم حقيقي وقيّم الآن، لكن المنهجية مختلفة جوهريًا؛ إذ تعمل التمويلات الخليجية في الغالب عبر: دعم البنك المركزي وتثبيت العملة، والدعم المباشر للوزارات الحكومية، وبعض المؤسسات المحددة.
هذا النهج، رغم أهميته الاقتصادية، لا يستوعب قوة العمل الميدانية المدرّبة، ولا يُعيد توظيف آلاف المحترفين الذين سرّحتهم المنظمات الدولية. الفجوة التي خلّفها انكماش التمويل الإنساني المباشر واسعة وظاهرة الأثر، ويزيدها حِدّةً الاستهداف الممنهج من سلطات الأمر الواقع لشريحة العاملين في هذا القطاع.
حتى لو جمعنا كل ما يقدّمه الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وألمانيا، فإن مجموعها لا يسدّ الفجوة التي خلّفها تجميد المساعدات الأمريكية وحده — ناهيك عن التراجع التراكمي الذي شهده التمويل الدولي على مدى السنوات الخمس الماضية.
تمويلات المانحين الرئيسية لليمن (2015 - 2025م):
- الولايات المتحدة (2024): 750 مليون دولار (أعلى مانح تاريخيًا).
- المملكة العربية السعودية (2024): تاتي في المرتبة الثانية؛ حيث قدمت 817 مليون دولار (قفزة كبيرة لكن بمنهجية مختلفة).
- المملكة المتحدة (2015–2024): أكثر من مليار جنيه إسترليني (+£1B) كإجمالي منذ بدء الأزمة.
قصص من الواقع
بعيدًا عن الأرقام، دعني أُعرّفك على وجهين حقيقيين من هذا الواقع:
- الأول: زميل أعرفه شخصيًا، يحمل أكثر من 10 سنوات من الخبرة في إدارة مشاريع التنمية وبرامج الإنعاش الاقتصادي. خبرة ميدانية حقيقية، وشبكة علاقات مؤسسية راسخة، وسجل مهني يتحدث عن نفسه. اليوم يقبع في المنزل بلا عمل منذ أن توقفت مشاريع المنظمة التي خدمها لسنوات. لا يبحث عن معروف، بل هو يبحث عن فرصة تستحق خبرته.
- الثاني: زميل آخر، لديه أكثر من 14 سنة من العمل الإنساني المتواصل، امتدّت خبراته الدولية لتشمل سوريا وبغداد وليبيا. تصوّروا حجم الكفاءة التي يحملها هذا الإنسان في حقيبته المهنية! لكن المفارقة المؤلمة هي أنه لا هو قادر على العودة إلى الداخل اليمني بسبب الصراع المستمر وممارسات سلطات الأمر الواقع في احتجاز الموظفين، ولا هو يجد فرصة عمل خارج بلده تُقدّر ما يحمله من خبرة. معلّق بين بلد لا يستطيع العودة إليه، وعالم لم يجد فيه بعدُ مكانًا له.
هذان ليسا استثناءين؛ فهما نموذج لجيل كامل من كفاءات القطاع الإنساني اليمني.
الوجه الكامل للخسارة - ما لا تقيسه التقارير
الأزمة لا تضرب عامل الإغاثة اليمني من جهة واحدة، بل من كل الاتجاهات في آنٍ واحد:
- 🧠 مهنيًا: البيئة التي صقلته لم تعد موجودة؛ فالمؤسسات تتفكك، والأنظمة التي أتقنها تُلحق بالإلغاء، وكأن سنوات من الخبرة تُمحى ببطء أمام عينيه.
- 💰 ماديًا: كان القطاع الإنساني يُعدّ من أفضل بيئات العمل المُدرّة للدخل بالعملة الصعبة في اليمن، واليوم هو الضحية! المدخرات التي بناها بعناية تذوب، وهو بلا عمل ولا قطاع يستقطبه، والخبرة الدولية أصبحت في مهب الريح؛ إذ لا يلوح في الأفق سوى المحسوبية والوساطة في النطاق المحلي المفتقر للقانون والتنظيم!
- ⚖️ من منظور العدالة: ينوات طويلة من الخبرة والكفاءة لا تحميه من الإقصاء؛ فالوظائف الشحيحة تُمنح بالوساطة، ومن يتقدم بالمحسوبية يتجاوزه، ليصبح الغبن رفيقًا يوميًا لا يُفارقه للأسف.
- 🧬 نفسيًا (وهذا الأخطر): إنسان أعطى سنواته الأجمل يبدأ في سؤال نفسه في الصمت: "لماذا أكملتُ؟ هل كان الأمر يستحق؟ ما الذي بنيتُه في النهاية؟" الإرهاق المزمن، وفقدان الثقة بالمستقبل، والشعور بأن الجهد لا يُثمر؛ هذا هو الوقود الذي يُغذّي موجات الهجرة الصامتة للكفاءات!
- 👨👩👧 أسريًا: هو عمود أسرة بأكملها، بل في أغلب الأحيان في اليمن قد يعيل أكثر من أسرته؛ كإخوانه وأمه وأخواته وأقاربه. فهو يُكابر ليبدو قويًا أمام الجميع بعد أن كان في عزٍّ ويقدم يد العون للآخرين، ويُخفي هشاشته في مواجهة الفوضى المحيطة به. هذا التناقض يُنهك الروح قبل الجسد.
وجهة نظري الشخصية (المفارقة الحقيقية في بلد المفارقات):
ثمة مفارقة لا تُحتمل تستحق أن تُقال بصوت عالٍ: الإنسان الذي كان يعمل على مساعدة وإنعاش مصادر دخل أشد الأسر فقرًا، يعيش اليوم الأزمة ذاتها التي كان يعالجها!
عامل الإنعاش الاقتصادي في حاجة إلى إنعاش اقتصادي في أشد أزمة يعيشها اليوم! مَن ساعد الآخرين من الهشاشة يقف الآن على حافة الهشاشة ذاتها؛ فإلى أين المسير؟ وهنا يكمن الخطر الأكثر عمقاً؛ ففي حين تنهار هذه الفئة، لا تنهار فقط مسيراتها المهنية، بل تنهار معها خارطة خبرة بل منظومة كاملة لا يمكن إعادة بنائها بسهولة حين تعود التمويلات، هذا إن عادت!
📣 دعوة إلى العمل (لأن الصمت ليس خيارًا)
إن كنتَ تؤمن بأن الكفاءات الإنسانية والإغاثية التي تمتلك خبرات دولية عريقة تستحق الحماية، فهذه نصيحتي الشخصية من الواقع والخبرة:
- 🔹 إن كنتَ تعمل في منظمة دولية أو هيئة مانحة: ضع ضمن أولوياتك آليات انتقالية واضحة للعاملين المتضررين من تقليص البرامج؛ ليس شفقةً، بل كاستراتيجية خروج آمنة لهؤلاء الموظفين وصونًا للاستثمار البشري المتراكم.
- 🔹 إن كنتَ في منظمة إقليمية أو خليجية: افتح نقاشًا جادًا حول كيفية استيعاب الكفاءات الميدانية اليمنية في البرامج بناءً على الخبرات، وليس بناءً على المحسوبية والوساطة والانتماءات الضيقة! بحيث يتم عبر إعلانات عامة وشفافة تضمن منافسة شريفة، بدلاً من تصدير الخبرات من خارج المنطقة.
- 🔹 إن كنتَ زميلًا في القطاع الإغاثي والإنساني والتنموي: لا تيأس؛ شارك هذا المقال، واجعل صوت هؤلاء يصل، فالاعتراف بالأزمة هو أول خطوة في مواجهتها. ومن ثمَّ، اشترك في شبكة الاستشاريين المحليين في "أطياف" للحصول على فرص عمل استشارية محلية عبر المراسلة البريدية على الموقع (www.atyafye.com)؛ فكلنا نعمل معاً والفرصة للجميع، والتعاون هو سبيل اليمنيين ونهج الصحابي أبو موسى الأشعري كأفضل سبيل.
- 🔹 إن كنتَ صانع قرار أو باحثًا: وثّق هذه الظاهرة؛ ففقدان الكوادر الإنسانية المدرّبة والخبرات والكفاءات هو خسارة استراتيجية طويلة الأمد تطال مستقبل اليمن بأسره.
ما عشناه في الـ 15 سنة الماضية في مستنقع الصراع والصمود والتأقلم والتحول، هو أكبر درس يمكن أن نعلّمه للعالم اليوم وللأجيال القادمة.
بقلم ؛ مازن سيف _ الخبير و المختص في الشؤون الاجتماعية و الاقتصادية
المصادر: OCHA Yemen 2025 Annual Report | Amnesty International April 2025 | Security Council Report March 2025 | Congress.gov CRS Yemen February 2026 | World Bank Yemen | OCHA December 2025 Humanitarian Update
#اليمن #القطاع_الإنساني #الإغاثة #انهيار_التمويل #كفاءات_اليمن #HumanitarianAid #Yemen #YemenCrisis #HumanitarianWorkers #USAID #ازمة_الاغاثة #موظفو_الاغاثة #التنمية_البشرية