مازن سيف
09 يناير 2026
أستحضر في ذاكرتي عام 2011م، عندما بدأت أولى خطواتي المهنية مع منظمة "أوكسفام بريطانيا"، وهي منظمة دولية رائدة في قطاع التنمية والإغاثة. خلال مسيرتي المهنية التي تدرجت فيها من ضابط مشاريع إلى مدير برامج، كان "بناء قدرات المنظمات المحلية وكوادرها" أحد أهم الأهداف والمهام الثابتة التي رافقتني في كل منصب.
منذ أكثر من 14 عاماً من العمل في المشاريع التنموية والإنسانية في اليمن، لا يزال سؤال "بناء القدرات" يتصدر أولويات مديري البرامج والمشاريع في المنظمات الدولية، وهو ما يجعلني أتساءل كثيراً: متى ستتمكن المنظمات المحلية في بلادنا من الوصول إلى النضج المؤسسي الكامل؟ هل يمكن للمنظمات المحلية أن ترتقي بقدراتها لتضاهي المنظمات الدولية؟ ما هو الفارق الجوهري بينهما؟ وكيف تبدو الفجوة اليوم مقارنة بما كانت عليه قبل 14 عاماً؟ ولماذا لا تزال الفجوة قائمة بين مستوى المنظمات المحلية والدولية؟
من خلال خبرتي الطويلة، وجدت أن هناك عوامل عديدة تؤثر على كفاءة وفاعلية العمل المؤسسي في المنظمات غير الربحية، وهي عوامل تستحق البحث والتحليل. ومن أبرز هذه العوامل "بيئة العمل"؛ فمن وجهة نظري، تُعد اليمن من أكثر البيئات تعقيداً في العالم، حيث تعمل المنظمات تحت ظروف متقلبة وغير مستقرة سياسياً وأمنياً وتشغيلياً، مما يتطلب قدراً عالياً من المرونة المؤسسية والحوكمة لضمان الاستدامة.
هناك دروس كثيرة تعلمتها ليس هذا مقام سردها، ولكن السؤال الجوهري هو: ما هي مؤشرات الصحة المؤسسية والتنظيمية للمنظمات غير الربحية؟
يُعد برنامج مؤشر الصحة التنظيمية (OHI) أداة تشخيصية مُصممة لمساعدة المؤسسات غير الربحية على تقييم صحتها التشغيلية الحالية. قام بتطوير هذا المؤشر شركة ماكينزي آند كومباني (McKinsey & Company)، وهو يعمل على قياس تسع مخرجات رئيسية للصحة التنظيمية لتحديد مسارات عملية لبناء القدرات وتحسين الأداء.
يركز هذا البعد على مدى وضوح "البوصلة" لدى الموظفين. يتعلق بمدى إيمان الفريق بوجود "بوصلة" واضحة للمنظمة تتجاوز مجرد تأمين التمويل. مثال من واقعنا المحلى عندما تمتلك منظمة محلية رؤية واضحة للتمكين الاقتصادي في الأرياف، ولا تنجرف خلف أي منحة (Grant) لا تخدم وليس لها علاقة بهذا التوجه- يعني ليس فقط البحث عن التمويل فقط هو الهدف الاسمى بهذا تنحرف المؤسسة عن بوصلتها التي هي مركز قوتها عن غيرها .و الموظف في الميدان يعرف أن الهدف ليس توزيع المساعدات فقط وقبض الراتب نهاية الشهر ، بل تغيير حياة الناس.
لا تقيس ماكينزي قوة القائد كشخص، بل "أسلوب القيادة" وتأثيره: بمعنى التركيز على نوع القيادة التي تخلق بيئة آمنة ومنتجة. مثال من واقعنا الحاضر هو في ظل تقلبات والتحديات للحصول على "التراخيص" أو التحديات الأمنية للوصول لمناطق الاستهداف بسبب انقطاع الطرقات بسبب الحرب، تبرز القيادة الحازمة التي تحمي موظفيها وتتخذ قرارات سريعة لضمان سلامتهم، بينما توفر القيادة الداعمة المرونة للموظفين الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة نتيجة الأزمة. وليست القيادة التي تعتمد على التفضيل وعلاقة الأقارب و المصالح و اهل النفوذ و الاستغناء و اقصاء غيرهم حتى و ان كإنو من اهل الخبرة و الأداء العالي !
يعتبر هذا البعد هو "الروح" التي تسود المكتب: تعني بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الثقة والترابط. مثالا على ذلك هو نجاح المنظمة في دمج موظفين من خلفيات جغرافية أو اجتماعية وثقافية و حتى دينية متنوعة (Inclusion) داخل مكتب واحد، وخلق حالة من "الترابط التنظيمي" حيث يتبادل فريق "الأمن الغذائي" المعلومات مع فريق "المياه والإصحاح البيئي" بسلاسة لخدمة نفس المنطقة.
يتعلق هذا المؤشر بمدى تحمل الأفراد لمسؤولية نتائجهم: يعني أن يعرف كل فرد حدوده وصلاحياته والنتائج المطلوبة منه- على سبيل المثال وضوح "مصفوفة الصلاحيات" (Authority Matrix)؛ بحيث يعرف ضابط الميدان ما هي القرارات التي يمكنه اتخاذها في المواقع البعيدة دون الرجوع للمكتب الرئيسي او المركز ، مع وجود نظام تقييم أداء واضح يربط الإنجاز الفعلي بالتقارير المرفوعة.
يركز هذا المؤشر على "الأنظمة" التي تضمن سير العمل دون فوضى: بمعنى وجود أنظمة داخلية قوية تحمي المنظمة ومواردها. مثال على هذا مدى دقة نظام "المشتريات" والنظام المالي او "الرقابة المالية" في المنظمة. المنظمة القوية هي التي تمتلك نظام حوكمة يمنع تضارب المصالح ويضمن العمل كمؤسس و ليس حسب المزاج الشخصي للفرد حتى نضمن وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين وفق معايير شفافة (Operationally Disciplined).
هل تمتلك المنظمة "الأدوات" اللازمة للنجاح؟ بمعنى امتلاك المهارات الفنية والأدوات التكنولوجية. مثالا على هذا من واقعنا قدرة المنظمة على استخدام أنظمة (KOBO Toolbox)ERP او انظمة إدارة الموارد او لجمع البيانات ميدانياً، وامتلاك فريق متخصص في "كتابة المقترحات" (Proposal Writing) او إدارة المشتريات و الموارد يجيد التعامل مع متطلبات المانحين الدوليين، واستخدام التكنولوجيا في تتبع سلاسل التوريد.
يعنى تحريك الحماس الداخلي للموظفين بما يتجاوز الراتب! ما الذي يدفع الموظف للاستيقاظ صباحاً والعمل بجد؟ مثلا في ظل الرواتب المتقلبة في السوق المحلي، المنظمة التي تنجح هي التي تخلق "معنى" لعمل موظفيها (Meaningful Values)، وتقدم فرص تدريب وتطوير (Career Opportunities) تجعل الموظف يشعر أنه ينمو مهنياً رغم ظروف الحرب او الظروف الصعبة التي يمر بها !.
قدرة المنظمة على التطور وتغيير نفسها: بمعنى القدرة على التعلم من الأخطاء وابتكار حلول محلية. مثال قيام المنظمة بتطوير تقنية "ري بالتنقيط" منخفضة التكلفة باستخدام مواد محلية بدلاً من انتظار استيراد تقنيات باهظة، أو قيام الفريق بتوثيق "الدروس المستفادة" من فشل مشروع معين لضمان عدم تكرار الخطأ في المشروع القادم.
كيف تتفاعل المنظمة مع العالم من حولها؟ جودة العلاقة مع أصحاب المصلحة مثل المانحين و المستفيدين، والسلطات المحلية و مجلس الأمناء و الشركاء و الإدارة و الموظفين و المدراء و الموردين و مقدمي الخدمات و غيرهم من المؤثرين .
لماذا يمثل هذا أهمية؟
تعتبر هذه الأبعاد مؤشرات حرجة لقدرة المؤسسة غير الربحية على تحقيق رسالتها. ومن خلال كشف الفجوات المحددة، يمكن للمنظمات الانتقال من العمليات التشغيلية العامة إلى النمو المستهدف. وبينما يوفر مؤشر (OHI) صورة شاملة للبيانات، فإن تعظيم الاستفادة من هذه الرؤى يتطلب غالباً توجيهاً من الخبراء الذين عندهم خبرة عملية في مجالاتهم وعملوا في نفس الظروف ولديهم الخبرة لتطويع وتيسير العوامل لتحقيق الأهداف طويلة المدى للمؤسسة. لا يكفي ان تطبق وحدك هذه العوامل بل لابد من الاستفادة من خبرات الاخرين والخبراء واهل الخبرة والمستشارين او الاستشاريين. عندما يتراجع أداء أكبر الشركات العالمية مثل شركة فورد للسيارات عندها يخصصون ميزانيات مخصصة للدراسة والاستشارات الخبراء في مجالات التي تحتاج الى تحسين او للكشف عن الفجوات التي تحتاج الى اتخاذ قرارات بشأنها للوصول الى الحلول المستدامة؟
كيف يمكن لـ "أطياف للاستشارات" مساعدتكم؟
تتخصص أطياف للاستشارات (ATYAF Consulting) في تقييم القدرات المؤسسية والقطاعية. نحن نتجاوز مجرد تحليل البيانات لنقدم خطط تطوير عملية وقابلة للتنفيذ مصممة خصيصاً لتناسب السياق الفريد لكل مؤسسة حسب عملها ووضعها المؤسسي والمالي. في اليمن، غالباً ما نركز على "بناء القدرات" (البعد 6) و"الرقابة" (البعد 5)، لكننا نغفل عن "التحفيز" و"الابتكار". دورنا كاستشاريين هو مساعدتكم على موازنة هذه الأبعاد التسعة لخلق منظمة "صحيحة" وقادرة على البقاء. عادتا ما نقوم بعمل دراسة شاملة للمؤسسات بناءً على هذه المعايير، ونخبركم مثلاً: "أنتم أقوياء جداً في التنسيق الخارجي، لكن لديكم ضعف في المساءلة الداخلية، وهذا ما يسبب تسرب الكفاءات من منظمتكم و ماهي الحلول المناسبة التي تناسب المؤسسة او المنظمة "