مرونة المجتمعات المحلية والتكيف.....

اليمن 27 مايو 2026 محمد موفق_ اخصائي تنموي محمد موفق_ اخصائي تنموي

مرونة المجتمعات المحلية والتكيف مع تغير المناخ في اليمن

مرونة المجتمعات المحلية والتكيف مع تغير المناخ في اليمن
محمد موفق_ اخصائي تنموي

المؤلف

محمد موفق_ اخصائي تنموي

التاريخ

27 مايو 2026

وصف التقرير

مقدمة

إن بناء مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة تغير المناخ لا يقل أهمية عن إيجاد حل طويل الأجل للصراع المستمر في اليمن؛ هذا الصراع الذي جعل البلاد تحتل المرتبة الثانية كأكثر الدول هشاشة في العالم، وفقًا لمؤشر الدول الهشة لعام (2023). ونظرًا لأن اليمن كان يعاني من هشاشة بيئية حتى قبل اندلاع النزاع، فقد شهدت البلاد مستويات مرتفعة من الفقر المزمن والأمن الغذائي نتيجة لعدم الاستقرار السياسي، وتشرذم مؤسسات الدولة، والاعتماد الكبير على واردات الغذاء، مما جعلها عرضة بشكل خاص لآثار تغير المناخ.

وعلى الصعيد العالمي، زادت الانبعاثات البشرية من ثاني أكسيد الكربون بنسبة تتجاوز 40% منذ عام 1990، لتصل إلى 50 مليار طن سنويًا، في حين لا تنتج اليمن سوى 0.03% فقط من انبعاثات الغازات الدفيئة (GHG) الناتجة عن الأنشطة البشرية. ورغم ذلك، لا تزال البلاد معرضة للغاية للتداعيات المرتبطة بالتغير المناخي، إذ تصنف في المرتبة 171 من حيث شدة التأثر بتغير المناخ، والمرتبة 180 في مؤشر الجاهزية والاستعداد لمواجهته.

تواجه اليمن تحديات لا حصر لها، تشمل الحروب المستعرة، **وعدم استقرار المؤسسات الحكومية**، وشح الموارد، وفشل الجهات المحلية الفاعلة في معالجة القضايا المناخية. ورغم أن الكثيرين يركزون اهتمامهم على تبعات الحرب، فإن بناء مرونة المجتمعات المحلية من أجل التكيف المناخي لا يقل عن ذلك أهمية، وذلك عبر الاستعانة بالمعارف التقليدية، والابتكار، والشبكات الاجتماعية، وتطبيق نهج تصاعدي (من القاعدة إلى القمة) لبناء هذه المرونة. ومع مواجهة السكان في اليمن لتحديات بيئية جسيمة مرتبطة بالنزاع الطويل وتغير المناخ، يصبح تطوير المرونة المجتمعية خيارًا حتميًا لتعزيز سبل البقاء المستدام والاستمرارية في مواجهة الكوارث الناجمة عن التغيرات المناخية.

خلفية حول تأثير تغير المناخ في اليمن

تتأثر اليمن بشكل بالغ بتداعيات تغير المناخ، على الرغم من أن انبعاثاتها من الغازات الدفيئة تعد ضئيلة للغاية. ومثلها كمثل غيرها من الدول الهشة، تواجه اليمن حالة طوارئ مناخية أدت إلى زيادة وتيرة وحدّة الظواهر الجوية المتطرفة، بما في ذلك الفيضانات، والجفاف، والانخفاض الشديد في درجات الحرارة شتاءً، وموجات الحر الصيفية. ووفقًا لمؤشر المبادرة العالمية لإدارة مخاطر الأزمات والكوارث (INFORM)، تصنف اليمن كرابع أكثر دول العالم عرضة للأزمات الإنسانية والكوارث, بدرجة هشاشة بلغت 8.0، وثالث أكثر الدول تأثرًا بتغير المناخ بدرجة بلغت 8.1. وفي الفترة ما بين أغسطس وأكتوبر 2025، تسببت الفيضانات وحدها في تضرر 68,000 أسرة في 162 مديرية، وألحقت أضرارًا بـ 56 منشأة صحية.

وما يفاقم هذه المعاناة أن اليمن لا يزال يصنف كأحد أكثر بلدان العالم إجهادًا مائيًا. إذ يحد شح المياه من إمكانية حصول 14.5 مليون شخص على مياه آمنة، واضطر العديد من المزارعين إلى التخلي عن سبل عيشهم. كما يتم استنزاف المياه الجوفية بمعدلات غير مستدامة تتجاوز معدل التغذية الطبيعية بنحو 1 إلى 8 أمتار سنويًا، وهو ما سيؤدي، في ظل الاتجاهات الحالية، إلى نفاد احتياطيات المياه الجوفية في اليمن غضون 20 إلى 30 عامًا، بغض النظر عن تأثيرات تغير المناخ. وتأتي زراعة القات (وهو نبات مزهر يحتوي على قلويد الكاثينون) لتزيد من حدة هذه الأزمة؛ حيث تستهلك زراعته وحده 30% من إجمالي المياه المسحوبة من حوض صنعاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع منسوب مياه البحر الناجم عن تغير المناخ يزيد من مخاطر تداخل مياه البحر (تغدو المياه الجوفية مالحة)، مما يؤدي إلى عدم صلاحية مصادر المياه العذبة للاستخدام البشري.

يعود الفارق الشاسع في إمكانية الحصول على المياه في جميع أنحاء البلاد إلى عوامل متعددة ومركبة، منها: تدمير البنية التحتية للمياه، وتعطل المؤسسات المائية، وحالات الجفاف المتكررة، واستنزاف احتياطيات المياه الجوفية. وتعد الزراعة في السهول الساحلية عرضة للفيضانات بشكل خاص، في حين تتسبب موجات الجفاف وشح الأمطار في حدوث تصحر في أجزاء أخرى من البلاد، مما يتسبب في خسارة سنوية تتراوح بين 3% إلى 5% من الأراضي الصالحة للزراعة. وقد انخفضت إنتاجية المحاصيل نتيجة لكل من الفيضانات والجفاف على حد سواء. علاوة على ذلك، لا يزال شح المياه يمثل العائق الأكبر أمام الإنتاج الزراعي في اليمن، ويُتوقع أن يؤدي الفقدان المستقبلي للموارد المائية إلى خفض الإنتاجية الزراعية بنسبة تصل إلى 40%.

تدابير التكيف المناخي الحالية في اليمن

تم اقتراح تدابير للتكيف مع تغير المناخ لتتناسب مع سياق كل منطقة، مثل الري بالتنقيط وتحسين نظم توزيع المياه، والتي سيكون لها آثار ملموسة عند دمجها مع المبادرات الداعمة الأخرى لإنشاء بنى حصاد وتصريف المياه (مثل السدود، والخزانات، وغيرها) في المناطق الساحلية. وكان هذا جزءًا من استراتيجية الحكومة للتكيف المناخي في بعض أجزاء البلاد، في حين بقيت المنطقتان الشمالية والشرقية خارج نطاق هذه الاستراتيجية المرسومة. وقد استخدمت "دراسة هشاشة قطاع الزراعة والتكيف" لعام 2010 سيناريوهات مختلفة للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية في المؤشرات المناخية في اليمن. ففي سيناريو الطقس "الحار والجاف"، يُتوقع أن ينخفض إنتاج القمح بشكل حاد، بينما تكون إنتاجية القمح في المرتفعات التي تعتمد على الأمطار في المحويت أقل عرضة للتأثر. وبناءً على ذلك، أوصت الدراسة باتخاذ إجراءات التكيف المناسبة للحد من تراجع إنتاجية المحاصيل.

فعالية التكيف مع تغير المناخ

لم تكن تدابير التكيف التي وضعتها الحكومة قبل النزاع فعالة بما يكفي لمعالجة القضايا الناجمة عن المناخ بشكل ملموس في جميع أنحاء البلاد، حيث ركزت فقط على المناطق الساحلية، تاركة جزءًا كبيرًا من الشمال والشرق، حيث أثرت تقلبات الجفاف وهطول الأمطار على قطاعات الحياة المختلفة للسكان. ولقد كانت خطوة جيدة إعداد بعض الدراسات حول الهشاشة والتكيف المبينة في "البلاغ الوطني الثاني لليمن" بموجب اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. ومع ذلك، فإن اندلاع الحرب في مارس 2015 قد عطل جميع الجهود التنموية، تاركًا اليمن في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، حيث قُتل 377,000 شخص ونزح 4.2 مليون آخرين، مما رفع معدل الفقر إلى 80% بين السكان.

وشكلت التحديات الاقتصادية والاجتماعية وعدم الاستقرار عوائق رئيسية أمام تحقيق تدابير التكيف المناخي الضعيفة والمخطط لها. ويمكن إرجاع ذلك إلى **عدم استقرار المؤسسات الحكومية** والاضطراب السياسي، وتشتت جهود المجتمع الدولي، وتركيز المساعدات الدولية المتناقصة على حالات الطوارئ. ولا تتضمن "خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026" سوى نشاط تجريبي محدود للعمل المناخي الاستباقي — المصمم لتقديم مساعدة إنسانية جماعية وفي الوقت المناسب كاستجابة لحالات الطوارئ. وقد يربط البعض تعزيز التكيف المناخي بتحسن الوضع السياسي والأمني، وهو أمر لا يزال غير واضح في الأفق المنظور.

مرونة المجتمعات المحلية والتكيف مع تغير المناخ

على الرغم من أنه لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على **مؤسسات حكومية تواجه عدم استقرار مستمر** لقيادة جهود التكيف المناخي، فإن المجتمع المحلي يمتلك الموارد والقوة اللازمة لبناء مرونة أساسية. فالاستراتيجية التصاعدية (من القاعدة إلى القمة) يمكنها بناء مرونة على مستوى الولاية والمستوى الوطني في آن واحد. وقد أظهر اليمن مرونة ملحوظة في التكيف مع تغير المناخ من خلال الدمج بين المعارف التقليدية، والشبكات الاجتماعية، والابتكار.

ومن الأمثلة الجيدة على استراتيجيات التكيف استخدام تقنيات مستدامة لحصاد المياه مثل "الحفائر"، وهي خزانات أرضية تُبنى لتجميع مياه الأمطار. وقد استخدمت المجتمعات الريفية التي تعاني من شح المياه الجوفية وعدم إمكانية التنبؤ بها هذه التقنية على نطاق واسع. ومثال آخر هو طريقة الزراعة بالمدرجات التقليدية، والتي تتضمن بناء مدرجات حجرية على المنحدرات الجبلية الشديدة لتعزيز احتفاظ التربة بالرطوبة والحد من انجرافها. وتُستخدم هذه التقنية منذ قرون ولا تزال مُتبعة في أجزاء كثيرة من اليمن، مما يوفر للمجتمعات الريفية مصدرًا موثوقًا للغذاء والدخل.

كما تبنت المجتمعات اليمنية استراتيجيات تكيف مبتكرة مثل استخدام نظم الري وإمدادات المياه بالطاقة الشمسية، وزراعة المحاصيل المقاومة للجفاف، وتقليل الاعتماد على الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري من خلال الجهود المجتمعية، لا سيما في ظل الغياب شبه التام للخدمات الأساسية الحكومية. وتمثل الطاقة الشمسية جزءًا من ثورة طاقة في البلاد التي يقطنها 28 مليون نسمة، وحيث دمر القتال شبكة الكهرباء. وتعتمد نصف الأسر اليمنية تقريبًا على الشمس للحصول على الطاقة، وتغذي المصفوفات الشمسية كل شيء من المتاجر إلى المدارس والمستشفيات.

علاوة على ذلك، تم تعزيز المرونة المجتمعية واستراتيجيات التكيف المناخي من خلال المنظمات القائمة على المجتمع المحلي والشبكات الاجتماعية. وتلعب الشبكات الاجتماعية في اليمن دورًا مهمًا، حيث لا يزال النظام القبلي فاعلاً في المعالجة الجماعية للقضايا المرتبطة بالمجتمع المحلي. وتوفر الشبكات الاجتماعية مرونة في حشد الموارد للاستجابة لمجموعة من الأحداث، بدءًا من المخاطر الطبيعية وصولاً إلى انهيار البنية التحتية. ومن خلال شبكة العلاقات الاجتماعية المترابطة، تجمع المنظمات المجتمعية أفراد المجتمع لمناقشة التحديات المرتبطة بالمناخ وتطوير حلول تكيّفية، مما يعزز قدرتهم على مواجهة تغير المناخ.

خاتمة

مما لا شك فيه أن النزاع المطول في اليمن قد أثر بشكل خطير على قدرة البلاد على التعامل مع تغير المناخ. فقد أدى إلى تعطيل نظم الدعم المؤسسي وفقدان الخدمات الأساسية، مما جعل من الصعب على المجتمعات المحلية تنفيذ استراتيجيات تكيف فعالة. وإن إيجاد حلول دائمة للنزاع سيساهم بشكل فعال في معالجة العديد من القضايا الشائكة، ولكنه للأسف أمر غير متوقع في الأفق المنظور. وهذا يعني أن الاعتماد على **مؤسسات حكومية تعاني من عدم الاستقرار** لتحمل المسؤولية تجاه تغير المناخ سيؤدي إلى تفاقم هشاشة المجتمع أمام تداعيات التغير المناخي.

بناءً على ذلك، من الضروري بناء مجتمعات محلية أكثر مرونة مع التركيز على تعزيز المعارف والممارسات التقليدية، وتشجيع الحلول المبتكرة، ودعم الشبكات المجتمعية القائمة. ويتطلب هذا التزامًا طويل الأجل من جانب المجتمع الدولي عبر تقديم المساعدات الإنسانية، والدعم الفني، والتمويل لمساعدة اليمن على التكيف مع آثار تغير المناخ. كما تقع المسؤولية أيضًا على عاتق **الجهات المعنية بالصراع** لتسهيل إيصال المساعدات الخارجية الموجهة لمعالجة تحديات تغير المناخ من خلال استراتيجيات التكيف المقترحة التي تركز على مرونة المجتمعات المحلية.

الكاتب /محمد موفق : أخصائي العمل الإنساني و التنموي بخبرة لأكثر من 14 سنة بتنفيذ مشاريع لدى منظمات دولية في اليمن و العراق و سوريا .

20مصدر موثق لمراجع التقرير

اختر اللغة